القاضي عبد الجبار الهمذاني

522

شرح الأصول الخمسة

وأما الذي يدل على ثبوت التعبد به : الإجماع ، وهاهنا أصل آخر ، وهو أن ما هذا سبيله من الأخبار فإنه يجب أن ينظر فيه ، فإن كان مما طريقه العمل عمل به إذا أورد بشرائطه ، وإن كان مما طريقه الاعتقادات ينظر ، فإن كان موافقا لحجج العقول قبل واعتقد موجبه ، لا لمكانه بل للحجة العقلية وإن لم يكن موافقا لها ، فإن الواجب أن يرد ويحكم بأن النبي لم يقله ، وإن قاله فإنما قاله على طريق الحكاية عن غيره ، هذا إذا لم يحتمل التأويل إلا بتعسف ، فأما إذا احتمله فالواجب أن يتأول ، وفصيل هذه الجملة موضعه أصول الفقه . فصل في القضاء والقدر : وجملة القول في ذلك أن القضاء قد يذكر ويراد به الفراغ عن الشيء وإتمامه . قال اللّه تعالى : فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ [ فصلت : 12 ] وقال : فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ [ القصص : 29 ] الآية ، وقال أبو ذؤيب : وعليهما مسرودتان قضاهما * داود أو صنع التوابع تبع وقد يذكر ويراد به الإيجاب . قال اللّه تعالى : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [ الإسراء : 23 ] وقد يذكر ويراد به الإعلام والإخبار كقوله : وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً ( 4 ) [ الإسراء : 4 ] واستعماله في هذه الوجوه لا يمنع من أن يكون حقيقة في بعضها متعارفا بها في الباقي ، كالإثبات فإنه حقيقة في الإيجاب ثم قد يذكر بمعنى الخبر عن وجود الشيء ، وقد يذكر بمعنى العلم . وأما القدر فقد يذكر ويراد به البيان ، قال اللّه تعالى : إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ [ النمل : 57 ] وقال الشاعر . واعلم بأن ذا الجلال قد قدر * في الصحف الأولى التي كان سطر أمرك هذا فاجتنب منه التبر وإذا قد عرفت ذلك ، وسألك سائل عن أفعال العباد أهي بقضاء اللّه تعالى وقدره أم لا ؟ كان الواجب في الجواب عنه أن تقول ، إن أردت بالقضاء والقدر الخلق فمعاذ اللّه من ذلك ، وكيف تكون أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى وهي موقوفة على قصورهم